خريف الوداع الأول { ماضي بعيد }
قبل أربع سنوات ، في محادثة على الهاتف ، الخريف يصبغ كل شيء بالأصفر ، كأنه إنذار بالنهاية .
كانت ليال ترسل لي كلمات من خوف و تعب ، عيناها متورمتان من قلة النوم ، وفي قلبها أمل أخير .
كان الهواء بارداً بشكل مفاجئ ذلك اليوم .
كانت ترتجف يداها ، ولم تكن الرعشة من البرد .
قالت بصوت مخنوق : مراد ، تقدم لي شخص ... أهلي يقولون إنه فرصة لا تُعوض .
أخبرتهم أنني لست جاهزة ، لكنهم يضغطون .
والدي يسألني في كل ساعة : هل هناك أحد آخر ؟ .
صمتتُ ، كانت تنتظر مني أن أقول : نعم ، هناك أنا .
قولي لهم أن مراد قادم غداً .
كانت تنتظر أن اتمسك بها وأخبرها أننا سنواجه الفقر والظروف وأهلي وأهلها معاً .
لكنني نظرتُ إلى حذائي ، وبدأتُ أعدُ الأوراق اليابسة على الأرض .
فكرت في راتبي الهزيل ، في غرفتي الضيقة في منزل والدي ، في صرخة أمي التي كانت تردد دائماً : " الفقر بيدق الباب والحب بيهرب من الشباك " .
قلت بصوت واهن ، كأنه لا يخرج مني : ليال... أنتِ تعرفين وضعي ... لا أريد أن أظلمكِ معي .
ربما.... ربما هو يستطيع أن يؤمن لكِ حياة أفضل .
في تلك اللحظة ، رأيت شيئاً ينطفئ في عينيها للأبد .
لم تبكِ ، بل ابتسمت بمرارة وقالت : كنت أظن أنني حياتك يا مراد ، والحياة لا تُقايض بالرفاهية .
أغلقت الهاتف و لم أرد بشيء ، في تلك اللحظة بالذات ، أخرجتُ من جيبي الساعة التي أهدتني إياها.... نظرت إلى العقارب وهي تتحرك ، ولم أدرك أنها كانت تحصي الثواني الأخيرة لعمري الحقيقي .